الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

190

الأخلاق في القرآن

وبعدها يشير إلى حقيقةٍ مهمّةٍ ، وهي أنّ أغلب بني آدم يتورطون غالباً بالمعاصي ، ويشير إلى معصية آدم : ( التي هي في الواقع ، من ترك الأولى ) ، وتوبته منها ، ويقول : « وما أجدر بالأولاد الاقتداء بالآباء والأجداد ، فلا غرو إن أذنب الآدمي وإجترم ، فهي شنشنةٌ يعرفها من أخزم ، ومن أشبه أباه ، فما ظَلم ، ولكنّ الأب إذا جبر بعد كسر ، وعمّر بعد أن هدم ، فليكن النزوع إليه في كلا طرفي ، النّفي والإثبات والوجود والعدم ، ولقد قلع آدم سنّ النّدم ، وتندّم على ما سبق منه وتقدّم ، فمن إتّخذه قدوةً في الذنب دون التّوبة فقد زلّت به القدم ، بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقرّبين ، والتجرُّد للشرّ دون التّلافي ، سجيّة الشّياطين ، والرّجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشرّ ضرورة الآدميين ، فالمتجرّد للخير ملك مقرّب ، عند الملك الدّيان ، والمتجرّد للشرّ شيطان ، والمتلافي للشرّ بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان . والمصرّ على الطّغيان ، مسجّل على نفسه بنسب الشّيطان ، فأمّا تصحيح النّسب بالتجرّد لمحض الخير إلى الملائكة ، فخارج عن حيّز الإمكان ، فإنّ الشرّ معجون مع الخير ، في طينة آدم ، عجناً محكماً لا يخلّصه إلّا إلى إحدى النارين : نار الندم أو نار جهنم » « 1 » . أو بعبارة أخرى : أنّ الإنسان غالباً ما يُخطيء ، وخصوصاً في بداية سيره إلى اللَّه تعالى ، فإذا ما وجد أنّ أبواب العودة موصدةٌ في وجهه ، فسيورثه اليأس الكامل ، ويبقى يُرواح في مكانه ، ولذلك فإنّ التّوبة تعتبر من الأصول المهمّة في الإسلام ، فهي تدعو كلَّ المذنبين إلى العمل لإصلاح أنفسهم ، والدّخول في دائرة الرّحمة الإلهيّة ، والسّعي لجبران ما مضى . وقد بيّن الإمام السّجاد عليه السلام ، في مناجاته : « مناجاة التائبين » أفضل وأحلى صورة لها ، فقال : « إِلَهي أَنْتَ الّذِي فَتَحْتَ لِعبادِكَ باباً إِلى عَفْوِكَ سَمَّيْتَهُ التَّوبَةَ فَقُلْتَ تُوبُوا إِلى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحاً ، فَما عُذْرُ مِنْ أَغْفَلَ دُخُولَ البابِ بَعْدَ فَتْحِهِ » « 2 » . والجدير بالذكر أنّ الباري تعالى يحبّ التّائبين ، لأنّ التّوبة تعتبر الخطوة الأولى لكي

--> ( 1 ) . المحجّة البيضاء ، ج 7 ، ص 6 و 7 ، مع التلخيص . ( 2 ) . المناجاة الخمسة عشر للإمام السجاد عليه السلام ، المناجاة الأولى ؛ بحار الأنوار ، ج 94 ، ص 142 .